الفيض الكاشاني
660
الوافي
إذن قسيم الجنة والنار » . قال المفضل بن عمر : فقلت له : يا ابن رسول اللَّه فرجت عني فرج اللَّه عنك ، فزدني مما علمك اللَّه ، فقال « سل يا مفضل » فقلت له : أسأل يا ابن رسول اللَّه فعلي بن أبي طالب يدخل محبة الجنة ومبغضة النار أو رضوان ومالك ؟ فقال « يا مفضل أما علمت أن اللَّه تبارك وتعالى بعث رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو روح إلى الأنبياء عليهم السّلام وهم أرواح قبل خلق اللَّه الخلق بألفي عام » قلت : بلى ، قال « أما علمت أنه دعاهم إلى توحيد اللَّه وطاعته واتباع أمره ووعدهم الجنة على ذلك وأوعد من خالف ما أجابوا إليه وأنكره النار » قلت : بلى ، قال « أفليس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ضامنا لما وعد وأوعد عن ربه عز وجل » قلت : بلى ، قال « أليس علي بن أبي طالب خليفته وإمام أمته » قلت : بلى ، قال « أوليس رضوان ومالك من جملة الملائكة والمستغفرين لشيعته الناجين بمحبته » قلت : بلى ، قال « علي بن أبي طالب إذن قسيم الجنة والنار عن رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ورضوان ومالك صادران عن أمره بأمر اللَّه تبارك وتعالى ، يا مفضل خذ هذا فإنه من مخزون العلم ومكنونه لا تخرجه إلا إلى أهله . قال أستاذنا رحمه اللَّه ( 1 ) إن هذا الحديث الشريف جوهرة نفيسة ودرة ثمينة
--> ( 1 ) قوله « قال استاذنا رحمه الله » مراده صدر المتألهين صاحب الأسفار وساير الكتب الشريفة وهو الذي أتم الله عليه النعمة بالجمع بين الكتاب والحكمة والنقل والعقل والعلم والمعرفة والبرهان والوجدان ، فنظر في الرواية بعين الدراية وتحقق بالعرفان وعمل بالشريعة بالايمان وأطاع الله كمن ينظر إلى الجنة والنار بعينه وأنار السبل بعلمه ودعا إلى طريق ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ونفخ في قلوب أتباعه روح الإيمان وقهر قلوب العاكفين على بابه على الزهد في الدنيا ولازدراء بزخارفها ، قلما ترى في متبعي طريقته وباحثي كتبه رجلا مفتونا بالمال والجاه فإنهم يجدون درك مقالاته أعظم نعمة وأكمل لذة ولا يأسفون على ما فاتهم بعده ، فكان الشيخ أبا علي قال في حقهم : فكأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها ، وقد كان الحكماء قبله أصحاب مال وجاه ومناصب متهافتين على التقرب إلى السلاطين والأمراء إلا قليلا ، هذا مع أنه لم يكن أعلم منهم بالأقوال ولا أجمع للعلوم العقلية ولا أفصح في البيان إلا أنه بلغ ما بلغ بتتبعه أخبار الأئمة المعصومين والتدبر في دقائق معاني كلامهم عليهم السلام ، وبذلك فاق جميعهم وقدر على حل معضلات عجزوا عن حلها ، وكلما مضى عليه الزمان تبين مقداره أكثر مما كان ، وقد أخذوا عليه مأخذ لا يخلو عن مثلها غير المعصوم ، وربما يوهم بعض عباراته الجبر أو الغلو وغيرهما ، وليست بحيث لا تقبل التأويل ويحمل كلام مثله على الصحة لما نعلم من قوة ايمانه وولايته لأهل البيت عليهم السلام ولم يكن يعتقد شيئا من الأمور الثلاثة التي طعن بها الغزالي في الفلسفة على ما يأتي ، فإنه حصر علة ضلالهم في ثلاثة أمور : الأول : قدم العالم ، وقد بين في محله أن الحق وان كان حدوث عالم الأجسام وان القدم غير صحيح وسبق شرحه في كتاب التوحيد واعترف به أيضا صدر المتألهين ، ولكنه مسألة غير دينية ولا يرتبط بالاعتقادات فهي نظير مسألة الجزء الذي لا يتجزى وتناهي الأبعاد وكون زوايا المثلث مساوية لقائمتين وتركب الجسم من الهيولى والصورة فمن خالف الحق فيها لا يكون كافرا بل مخطئا واتفاق أهل الديانات على الحدوث ان ثبت فإنما هو للملازمة العرفية بين القدم وانكار الصانع ، فالكفر اللازم من القول بقدم العالم إنما هو بلزوم عرفي لا حقيقي كالتوهين اللازم في مثل أن يكون أبو زيد كافرا فيقال له لعن الله أباك ، فليس نفس الحدوث من الاعتقادات الدينية بل اثبات وجود الله تعالى . وقد بين المحقق الطوسي ( ره ) في التجريد أن علة الاحتياج هي الإمكان دون الحدوث ، وحينئذ فيكفر من يعتقد قدم العالم إذا أفضى اعتقاده إلى نفي الصانع كأن يصدر من العوام . والثاني : علم الواجب بالجزئيات ، وقد بين صدر المتألهين ذلك بأبين وجه وأوضحه وأبطل كلام المشائين . والثالث : قوله في المعاد وليس اعتقاده فيه مخالفا لاعتقاد ساير المسلمين إلا أنه أورد قبل اثبات المعاد مقدمات يصعب تصورها على أكثر الناس توهم في بادي الأمر أنه يريد اثبات شيء آخر وذلك لأنه أثبت في الجسم الأخروي صفات توهم منه جماعة أنها تنافي الجسمية ، وزعم هو أنها لا تنافيها ومن خطأه فمبنى تخطئته على أنه ليس جسما وهو لا يعترف بذلك بل يعتقد أنه جسم لا ينافي تلك الصفات ، فتخطئتهم نظير تخطئة المجسمة بأن كونه تعالى جسما يوجب إمكانه ، وأما المجسمة فيعتقدون تجسم الواجب تعالى ولا يعتقدون امكانه ، وهكذا القول بوحدة الوجود يلازم الاحتياج والحلول عند قوم ولا يلازمها عند آخرين ، ولا خلاف بين المسلمين أن الناس يحشرون بأبدانهم ويجب أن يكون هذا المحشور هو الذي كان في الدنيا واعترف به صدر المتألهين وأثبت جسما له طول وعرض وصور نوعية هي عين الجسم الموجود في الدنيا كما يدل عليه قوله تعالى : من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ، واعتقاده عند من يخطئه نظير اعتقاد من رأى رجلا فظنه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أشهد انك رسوله فغلطه في التطبيق لا في أصل الاعتقاد ، ولا يستبعد من الحكماء أن يعتقدوا وجود جسم لطيف لا يرى في الدنيا وهو جسم كما يعتقد أهل عصرنا وجود نور غير مرئي ينفذ في الأجسام الكثيفة غير الشفافة يؤخذ به التصاوير من أحشاء الإنسان فهو نور قطعا لكنه غير مرئي بخلاف هذه الأنوار ، وقد التزموا بأمور مستغربة وقالوا إذا جاء الليل لم يكن للأجسام لون في الظلمة ويقولون ان فوق الفلك الأعظم لا خلاء ولا ملاء لضرورة تناهي الأبعاد وتصوره صعب أو غير ممكن لأكثر الناس ، وقالوا ان الزمان والمكان مفهومان منتزعان من الأجسام الساكنة أو المتحركة ، ولو فرضنا أن لا جسم فلا زمان ولا مكان ولا يتصوره الناس البتة ويقول أهل عصرنا أن الأثير يداخل الأجسام ولا يتنحى عنها ، وينكر أن فيها الخرق والالتيام كما كان القدماء ينكرون في الأفلاك ، وهذا أيضا غير متصور لأكثر الناس بل يرونه محالا ، ويقول بعضهم بالحركة الجوهرية وأن هذا الجسم الموجود الذي تراه غير الذي كان ساعة قبل ذلك إلى غير ذلك مما لا يحصى ، فجاز أن يعتقد رجل منهم موجودا له طول وعرض وعمق ومعه الصور النوعية التي تكون للجسم الدنيوي ويكون هو بعينه من غير أن يكون له ثقله وكثافته ، فمن يخطئه فمبنى تخطئته على أن هذا ليس موجودا وليس هو الذي كان ، ومبنى من يصوبه أن هذا هو الذي كان وانما لا يكون هذا ذاك إذا خلق من مادة الجسم الدنيوي حيوان آخر ، وهذا نزاع لا طائل تحته . وبالجملة إذا لم يكن نفس الاعتقاد بشيء مخالفا لضروري من ضروريات الدين ولكن يستلزم اعتقادا مخالفا مثل جسمية الواجب فإنها يستلزم إمكانه ، وإمكانه يستلزم مخلوقيته وجواز العدم عليه ، وجواز العدم عليه تعالى كفر لكن لزومه للجسمية ليس لزوما بينا بحيث يتعقله كل أحد بل يمكن الشبهة في حق بعض الناس ، ولذلك لو احتمل شبهة ممكنة في حق رجل في ضروري لا يستلزم انكاره ارتدادا ، وهكذا لو اعتقد رجل في المعاد وجود جسم هو ذلك الجسم الدنيوي بعينه ويكون له صورته النوعية وطوله وعرضه وارتفاعه وكان مخطئا في اثبات وجود هذا الجسم لأنه ليس مثل ذلك متعقلا وموجودا في الواقع نظير ما يسميه بعضهم الهور قليائي ، ولا يجوز سوء الظن بالناس مهما يمكن حمل كلامهم على الصحة أو يحتمل شبهة ممكنة في حقهم . وقد أفرط بعضهم في سوء الظن حتى أكفر الحكماء كافة ولم يعرف أن هذا يوجب طعن الملاحدة على الديانين بأن الدين لا يقبله إلا العوام والجهال وأن العقلاء لا يعترفون به ، بل زاد بعضهم حتى أكفر أو نسب إلى الضلال جميع أصحاب الرجال لأنهم حكموا بضعف الرواة وموضوعية بعض الأخبار وقال ليس لهؤلاء معرفة بشأن الأئمة واعتقاد فيهم حتى الشيخ الطوسي والشهيد الثاني . وأنقل هنا هذا الكلام من بعض مذكراتي ولا أدري من أين أخذته ومن القائل به ولا ينقضي تعجبي كلما أراه ، قال الشهيد الثاني في حواشيه على الخلاصة في الرجال للعلامة ( ره ) ما معناه : ان حكاية ملاقاة سعد بن عبد الله الأشعري للإمام أبي محمد العسكري موضوعة وامارات الوضع عليها لائحة ، انتهى . وقال النجاشي : رأيت بعض أصحابنا يضعفون لقاءه لأبي محمد عليه السلام ويقولون هذه حكاية موضوعة عليه ، انتهى ، وذكره الشيخ في من لم يرو عن الأئمة عليهم السلام وذكره في رجال العسكري عليه السلام وقال عاصره ولم أعلم أنه روى عنه ، انتهى . قال بعض المحدثين طاعنا على الشهيد ومن ذكر بعده لتأييد ملاقاة سعد مع الإمام عليه السلام ان الطعن بمجرد الظن والوهم ليس إلا الإزراء بالأخبار والتقصير في شأن الأئمة الأطهار وان وجدوا الأخبار المشتملة على المعجزات الغريبة فاما يقدحون فيها أو في راويها بل ليس جرم أكثر المقدوحين من أصحاب الرجال إلا نقل مثل تلك الأخبار ، انتهى ، وأصحاب الرجال هم الشيخ والنجاشي والعلامة . ومقتضى كلام هذا المحدث أنهم كانوا ضعفاء الاعتقاد بالأئمة عليهم السلام ولو يكن لهم معرفة بشأنهم ، وكل راو روى معجزة حكم أصحاب الرجال بضعفه ولم يكن عليه قدحهم إلا ذاك - نعوذ بالله - .